علي بن أحمد المهائمي
96
مشرع الخصوص إلى معاني النصوص ( النصوص في تحقيق الطور المخصوص )
قوله : وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى [ النجم : 42 ] ، وفي الأحاديث النبوية تنبيهات كثيرة تشير إلى ما ذكرنا من تتبعها - بعد التيقظ والتفهم لما ذكرت - ألقاه واضحا جليّا ] . أي : أشار صلى اللّه عليه وسلم في بعض مناجاته إلى ما ذكرنا من عدم إحاطته بحقيقة المعرفة مع بلوغ غاية الغايات فيها ، فقال : « أعوذ برضاك من سخطك » « 1 » ، نظرا إلى توحيد الأفعال التي هي آثارها . وهذا على نهج البرهان اللّمي من الاستدلال بالمؤثر على الأثر . ثم قال : « وأعوذ بك منك » « 2 » : نظرا إلى توحيد الذات على نهج الشهود . ثم قال : « لا أحصى ثناء عليك » بالغناء في الذات المطلقة مع الإشارة إلى عدم معرفته لها . ثم قال : « أنت كما أثنيت على نفسك » فبقى به وبصفاته عال ، والها به لا بذاته . ولما كان المقصود من الاستشهاد عدم الإحاطة مع بلوغه غاية الغايات أشار رضي اللّه عنه في تفسير قوله : « لا أحصى ثناء عليك » بقوله : أي : « لا أبلغ كل ما فيك » بحسب الإطلاق وإن بقيت بك ، فليس بقائي بإطلاقك ، بل بتعينك مع صفاته ، جميع صلوات اللّه عليه بين التنبيه على تعذر الإحاطة بالذات المطلقة بل بما دونها لتوقفها عليك من حيث إدراكها حق الإدراك ، وبين التعريف بانتهائه في معرفة الحق إلى غاية الغايات حيث بقي به ، والبقاء غاية المقامات ، إذ لا يحجب الحق الخلق ، ولا الخلق الحق ثمة ، بخلاف مقام الفناء الحاجب للخلق ، والتكوين الحاجب للحق . فعلى هذا يكون هذا الحديث كالتفسير للآية المذكورة في أن غاية المعرفة متعلقة بالرب الخاص المحمدي ، إذ بقي عليه به ، وهو غاية مقام المعرفة ، مع أنه صلى اللّه عليه وسلم لا يحصى الثناء ، وإنما قال كالتفسير ؛ لأن الآية لا تدل على معنى البقاء ، بل لا تدل على أن هذه الغاية معلومة ؛ لأن الغاية لا تدل على المغيّى إلا أن يقال أنها غاية إسقاط لما بعدها ؛ لأن الإنسان قابل لمعارف لا نهاية لها بحسب الظاهر وإنما أعاد الآية ؛ لئلا يتوهم أنه تفسير لآية أخرى مثل قوله تعالى : وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً [ طه : 110 ] ، سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ
--> ( 1 ) تقدم تخريجه . ( 2 ) رواه مسلم ( 1 / 352 ) .